ابن الوزان الزياتي

55

وصف افريقيا

على حمل السلاح يقارب الخمسين ألفا ، باستثناء النساء والأولاد والمواشي وكان عدد هؤلاء لا يحصى . وقد ذكر المؤرخ الإفريقي ابن رقيق ، الذي سبق لنا الكلام عنه ، تقديرا صحيحا عنهم « 94 » . وهكذا اجتاز العرب الصحراء التي قلنا إنها تقع بين مصر وبلاد البربر ، في قليل من الوقت . وتوقفوا قليلا لضرب الحصار على طرابلس ، واستولوا على هذه المدينة عنوة وخربوها ، وقتلوا كل أولئك الذين تمكنوا من قتلهم . وانطلقوا من هناك إلى قابس التي هدموها . وأخيرا حاصروا القيروان . ولكن الأمير الثائر الذي كان قد اختزن الأقوات وكل ما كان يحتاج إليه استطاع أن يصمد للحصار المضروب على المدينة مدة ثمانية أشهر إلى أن اجتاحها العرب بالقوة ودمروها . أما هو فقد اغتيل بعد أن تعرض للعديد من أشكال التعذيب « 95 » . وعلى أثر ذلك استحوذ العرب على جميع الأرياف وسكنوها وفرضوا على كل مدينة غرامات وتكاليف باهظة . وظلوا سادة هذه المنطقة من إفريقيا حتى عهد يوسف بن تاشفين ( مؤسس دولة المرابطين ) وهو أول ملك في مراكش . فاستخدم هذا كل سلطته لنجدة أولئك الذين يمتون بصلة القربى والصداقة إلى الأمير الثائر المتوفي . ولم يهدأ إلا بعد أن أنقذ المدن من هيمنة العرب « 96 » .

--> ( 94 ) يبدو من المشكوك فيه كثيرا ان يكون إبراهيم بن قاسم الرقيق قد تكلم عن الزحف الهلالي . فقد عاش هذا الرجل في أواخر القرن العاشر الميلادي . وآخر ذكر ورد عن مؤلفاته كان في عام 1027 م [ وربما كان اسم هذا المؤرخ ابن رشيق ] . كما أن القبائل لم تأت مباشرة من جزيرة العرب ، بل من مصر ، حيث كانت هذه القبائل تحت نوع من حصار بسبب شغبها بعد ان اشتركت في العمليات الحربية ضد القرامطة وأصبحت لا تطاق بجوار الفلاحين المصريين الوديعين . وكان في ذلك فرصة للتخلص منهم . ( 95 ) لقد حفظ التاريخ ذكر هذه الهجرة تحت اسم الزحف الهلالي أو هجرة بني هلال ونسب إليها صفة الوحشية المفرطة . بيد أن دراسة النصوص لا تدل أعلى أنها كانت انقضاضا ضاريا وهداما كما تصورها الكثيرون ، ولكن برقة وحدها ، التي كانت مزدهرة حتى ذلك الحين ، هي التي تخربت نهائيا . ولم تقع سوى معركة حامية واحدة هي معركة جندر ، أو جندران ، أو حيدران ، قرب مدينة القيروان . فقد استطاع ثلاثة آلاف فارس ، ومثلهم تقريبا من المشاة العرب ، أن يلحقوا الهزيمة بأمير إفريقية بعد مباغتته يوم العيد بتاريخ الاثنين 13 نيسان ( أبريل ) 1052 م ، وهو الأمير المعز الذي كان على رأس جيشه بينما كانت قواته تنصب الخيام لكي تعسكر فيها . أما نهب القيروان الحقيقي فلم يحدث إلا بعد ستة أعوام ، وذلك بعد أن غادر المعز هذه المدينة كي يلجأ إلى المهدية ، حيث توفي فيها نتيجة موت طبيعي بتاريخ 14 آب 1062 م . وقد خسر بالفعل تقريبا كل مملكته ، رغم أنه زوج ثلاثا من بناته من أمراء من العرب . ولكنه ظل محتفظا مع أحفاده حتى تاريخ حزيران ( يونية ) 1148 م بسلطة رمزية على المهدية ، الواقعة على الساحل التونسي . ( 96 ) في عام 1053 م اجتاحت صنهاجة أو زناجة ، وهم الملثمون ، والذين يذكرهم التاريخ باسم المرابطين ، والذين يذكرهم الحسن دوما باسم لمتونة ، وهم اسم أهم قبائلهم ، أقول اجتاحت إمارة سجلماسة المزدهرة ، ولقد تطلب فتح بلاد